1 (800) 567 8765 info@aaspksa.com

نظرية الإرشاد العقلي الانفعالي Rational Emotive Counseling:

لا شك أن الطريقة التي ندرك بها الأشياء وليس الأشياء في ذاتها هي التي تثير مخاوفنا وتحدد سلوكنا أي أن الأفكار والمعتقدات التي يكونها الأفراد عن الأشياء والأشخاص والموضوعات هي التي تثير الاضطراب النفسي لدى الفرد، ومن هنا فإن الكثير من الاضطرابات النفسية والأمراض العصابية تعتمد إلى حد بعيد على وجود أفكار ومعتقدات خاطئة يكونها الفرد عن ذاته وعن الآخرين المحيطين به وعن العالم المحيط به، ومن هذا المنطلق وضع إلبرت اليس ELLIS نظرية الإرشاد العقلي الانفعالي السلوكي.

والفكرة الرئيسية التي تقوم عليها هذه النظرية مؤداها أن الأعراض المرضية كالخوف والقلق والاكتئاب وغيرها غالباً ما تكون ناتجة عن أفكار ومعتقدات خاطئة لدى الفرد، فسلوك الشخص ينبع من أفكاره وعليه فإن الاضطرابات الانفعالية تكون ناتجة من وجود أفكار ومعتقدات خاطئة لدى الفرد، ومن ثم يكون تحسن الفرد مرهون بتحسن طريقة تفكيره وتغيرها.

والجدير بالذكر أن علماء النفس السلوكيين كان اهتمامهم في بداية الأمر منصباً على تعديل السلوكيات غير المرغوبة واستبدالها بسلوك مرغوب فيه دون الاهتمام بالجوانب العقلية المعرفية لدى الفرد بحجة أنها عوامل داخلية لا يمكن إخضاعها للملاحظة ولكن هذا لم يستمر طويلاً فسرعان ما تحول اهتمامهم إلى دراسة الجانب العقلي المعرفي لدى الفرد معترفين بأهمية العوامل المعرفية في نشأة الأعراض المرضية وأن تعديل أفكار الفرد ومعتقداته الخاطئة تؤدي إلى حدوث تغير في انفعالاته وسلوكه ومن هذه الخلفية استطاع إليس أن يصوغ نظريته في الإرشاد النفسي.

تعريف الإرشاد العقلي الانفعالي:

هو أسلوب أو نظرية من نظريات الإرشاد النفسي تستخدم فنيات معرفية وانفعالية لمساعدة العملاء في التغلب على ما لديهم من أفكار ومعتقدات خاطئة وغير عقلانية والتي يصاحبها اضطراب في سلوك وشخصية الفرد واستبدالها بأفكار ومعتقدات أكثر عقلانية ومنطقية تساعده على التوافق مع المجتمع.

الإطار الفلسفي للنظرية:

يستند الإرشاد العقلي الانفعالي إلى الأفكار التي نادت بها المدرسة الرواقية والابيقورية والتي ترى أن الأشياء في ذاتها وطبيعتها لا تثير الخوف أو القلق لدى الفرد ولكن الآراء التي يكونها الفرد عن هذه الأشياء والموضوعات أو الطريقة التي يدرك بها تلك الأشياء هي السبب الحقيقي وراء ذلك، فالطفل الصغير لا يخاف من كثير مما نخاف منه نحن الكبار وذلك لاختلاف إدراكه عن إدراكنا، وتأكيداً على هذا المعنى ذهب الفيلسوف راسل إلى أن أفكارنا ومعتقداتنا الخاطئة هي المسئول الأول عما يحدث لنا من اضطرابات نفسية ومسالك عصابية وأن أحسن طريقة للتغلب على مخاوفنا وسلوكنا العصابي أن نفكر في المواقف التي تعمل على إثارة الخوف لدينا بهدوء ونفكر فيها بطريقة أكثر عقلانية وبذلك يتحول الشيء المخيف في النهاية إلى شيء مألوفاً لا يصاحبه أي خوف أو قلق.

وبعبارة أخرى موجزة أن الاضطرابات الانفعالية في نظر إليس تعتمد على وجود أفكار ومعتقدات خاطئة لدى الفرد وأن الفرد مسئول عن إزعاج نفسه إلى حد كبير بسبب أفكاره اللاعقلانية التي يكونها حول ذاته وحول الآخرين من حوله، ومن ثم يسعى الإرشاد العقلاني الانفعالي إلى مساعدة الأفراد في التغلب على هذه الأفكار غير المنطقية واستبدالها بأفكار منطقية وعقلانية وذلك من منطلق وجود علاقة وثيقة بين مكونات الشخصية وهي الانفعالات والجوانب المعرفية والسلوك وأن هذه المكونات الثلاثة لا يمكن الفصل بينها فهي مترابطة ومتكاملة مع بعضها البعض، ومن الخطأ القول أن تغيير الانفعالات وحدها يؤدي إلى تغيير التفكير أو أن تغيير التفكير يؤدي إلى تغيير الانفعالات، والحقيقة هي أن هناك علاقة دائرية بينهما، فالأفكار وحدها قد تثير استجابات انفعالية لدى الفرد وذلك وفقاً لما يقوله الشخص لنفسه عند مواجهة موقف ما أو عند تفاعله مع شخص ما، وتختلف الانفعالات أيضاً في طبيعتها وشدتها تبعاً لاختلاف أفكار الفرد ومعتقداته، فانفعالات افرد سواء الموجبة أو السالبة غالباً ما تكون مرتبطة بأفكاره ومعتقداته نحو المواقف والأشياء المختلفة، فالأفكار تؤثر على مشاعر الفرد وسلوكه كما أن الانفعالات تؤثر على أفكاره وسلوكه كما أن التصرفات السلوكية لدى الفرد تعكس ما لديه من أفكار ومشاعر ومن ثم فإن حدوث تغيير في جانب من هذه الجوانب الثلاثة يؤثر بالتالي على الجانبين الآخرين.

 نظرية التحليل النفسي Psychoanalysis Theory

تعتبر نظرية التحليل النفسي من أقدم النظريات النفسية والتي يرجع إليها الفضل في كشف النقاب عن الجوانب اللاشعورية في الشخصية، وقد كانت في بداية ظهورها طريقة علاجية ثم بعد ذلك أخذت تشيد لنفسها صروحاً نظرية حيث قدمت نظرية في الغرائز وتفسير الطبيعة الإنسانية والنمو النفسي للفرد وتفسيراً لديناميات الشخصية وعلى النقيض ظهرت السلوكية والجشطلت التي اقتصرت على كونها مجرد صروح نظرية ولكن بعد ذلك أخذت تجرب نفسها في حقل الإرشاد والعلاج النفسي، وسوف نتناول المبادئ والمفاهيم الرئيسية التي قامت عليها النظرية.

نظرية الغرائز:

صنف فرويد الغرائز إلى نوعين هما غرائز الأنا والغريزة الجنسية ولما اكتشف النرجسية عمل على ضم الغريزتين معاً تحت اسم غريزة الحياة وأكد فرويد على أن جميع دوافع الفرد ورغباته يمكن ردها إلى غريزتين هما غريزة الحياة والتي تستهدف الحفاظ على حياة الفرد والتكاثر في مقابل غريزة الموت أو العدوان والتي تؤدي إلى التدمير والتخريب واعتبر أن غريزة العدوان فطرية.

ومن ثم فإن عداء الإنسان لأخيه الإنسان، والحرب وما تجلبه من خراب ودمار ما هو إلا تعبير عن غريزة العدوان، وتظهر غريزة الحياة في كل ما يقوم به الفرد من أعمال إيجابية بناءة، أما غريزة العدوان فتبدو في السلوك التخريبي وفي الهدم والعدوان على الذات وعلى الآخرين وأطلق فرويد على الطاقة النفسية المتعلقة بهاتين الغريزتين اسم اللبيدو، وأن هذه الغرائز هي القوة الدافعة للشخصية والسلوك، وأن هذه الغرائز يمكن تعديلها أما عن طريق الإزاحة أو الإعلاء.

أقسام العقل:

قسم فرويد العقل إلى ثلاثة مستويات وهي الشعور، وما قبل الشعور، واللاشعور، فالشعور هو الجانب الواعي في الشخصية، أما ما قبل الشعور فهو يقع في المنطقة الوسطى بين الشعور واللاشعور، وهو عبارة عن أحداث وذكريات وخبرات وتجارب تكاد تكون منسية ولكن عن تلقيها المثير المناسب يمكن استدعاؤها إلى دائرة الشعور ومثال ذلك عندما يدخل الطالب الامتحان بمجرد أن يستلم ورقة الأسئلة يستدعي ويستحضر المعلومات، أما اللاشعور فهو الجانب اللاواعي في الشخصية وهي تمثل الجانب البيولوجي في الشخصية وسوف نتحدث عنه لاحقاً، ويشبه فرويد النفس أو الشخصية في نظريته بجيل من الثلج في المحيط جزء صغير جداً من الجبل طافي على سطح المحيط هو الشعور، وجزء كبير تحت السطح هو ما قبل الشعور واللاشعور.

الأبنية الفرعية للشخصية:

تتكون الشخصية عند فرويد من ثلاثة أبنية رئيسية ورغم أن لكل جزء منها وظائفه وخصائصه إلا أنها جميعاً تتفاعل معاً بحيث يصعب فصل تأثير كل منها عن الآخر، فالشخصية هي نتاج تفاعل المكونات الثلاثة التالية:

 الهي: ID

وهي مستودع للحفزات الغريزية والرغبات والأحداث والذكريات التي لم يتم إشباعها في الواقع بفعل القيم والمعايير الاجتماعية، وهي عمياء من الوجهة الاجتماعية فليس بينها وبين العالم الخارجي صلة مباشرة، ولا تميز بين ما هو صالح وطالح، وهي تسير وفقاً لمبدأ اللذة ونود أن نشير هنا إلى أن هذه المحتويات المكبوتة والتي تختزن في الهي لا تموت بل تظل حية جاهدة تحاول أن تنتهز الفرصة التي يضعف فيها سلطان الضمير (الأنا العليا) كما هو في حالات النوم والسُكر والتخدير والعمليات الجراحية، وتعبر عن نفسها بصورة رمزية من خلال عدة أشكال وصورة مختلفة كما في فلتات اللسان وزلات القلم ونسيان المواعيد وتحطيم الأشياء، والأحلام، وألعاب الأطفال ورسوماتهم، وكلها تمثل تعبير رمزي لرغبات ودوافع مكبوتة، وهذه المكبوتات أشبه بالميكروبات الخفية التي تنهش شخصية الفرد وتسمم آراءه وأفكاره وتقعده عن تحقيق أهدافه ومن ثم يقع فريسة للمرض النفسي.

كما أن هذه المواد المكبوتة تتميز بأنها قهرية تحدث دون إرادة الفرد ومثال ذلك الشخص الذي يسرف في غسل يديه عدة مرات، أو الشخص الذي يمد يده ليسرق أشياء ليس في حاجة إليها (جنون السرقة) فمثل هذه السلوكيات تكمن ورائها دوافع لا شعورية مكبوتة لا يفطن الفرد إلى وجودها.

 الأنا: EGO

هي تمثل الجهاز التنفيذي للشخصية وهي الجزء الذي يتعامل مع الواقع الخارجي وتعمل بمقتضى مبدأ الواقع، وعلى الرغم من أن الهي تسير وفقاً لمبدأ اللذة والأنا تسير وفقاً لمبدأ الواقع وهذان المبدأين متعارضان إلا أن هذا لا يعني أن الأنا تنكر إشباع الرغبات والحفزات الغريزية الصادرة من الهي شريطة أن يكون هذا الإشباع متسقاً مع القيم والمعايير الاجتماعية، وتنحصر وظيفة الأنا في التوفيق بين مطالب الهي ومتطلبات الواقع الخارجي، فكأنه جهاز له عينان عين تطل على الغرائز وحفزات الهي وعين تطل على مطالب المجتمع الخارجي ثم العمل على التوفيق بين المطلبين في وقت واحد، وإذا فشل الأنا في ضبط حفزات الهي يكون الفرد عرضة للمرض النفسي، ويمكن تشبيه العلاقة بين هاتين القوتين (الهي والأنا) بالعلاقة بين الحصان والفارس فالأول مصدر الطاقة والحركة والقوة، ويعمل الفارس لكي ينتفع بهذه القوة على أن يترك للحصان العنان يجري ويمرح ولكنه يقوم بتوجيهه بالطريقة التي يراها متمشية مع الواقع فيبتعد به عن العثرات والطرق الوعرة، وقد يجمح الحصان بصاحبه فيتلاشى سلطانه عليه ويسير به كيفما يشاء، أي أن الهي قد تسيطر في بعض الأحيان على الأنا وتخضعه لسلطانها وإذا بالفرد يندفع لإرضاء غرائزه دون وعي ودون قدرة على كبح جماحها أو صدها وإذا بالفرد يسلك سلوكاً منحرفاً.

ويتكون الأنا من جانبين أحدهما شعوري والآخر يعمل على المستوى اللاشعوري وهو ما يعرف بالحيل الدفاعية والتي هي عبارة عن إجراءات لا شعورية غير مقصودة يقوم بها الفرد لخفض القلق والتوتر الناجم عن المحتويات والمواد المكبوتة لديه، ومن ثم فهي تعطي الفرد إحساساً وشعوراً بالراحة دون أن تعمل على حل المشكلة تماماً فهي أشبه بالعقاقير المخدرة أو المسكنة تخفف الألم ولكنها لا تفعل شيئاً لإزالة أسبابه الجوهرية.

وكلما كانت الأنا قوية لدى الفرد وتمتلك مقداراً كبيراً من الطاقة النفسية كلما أصبح الفرد قادراً في التغلب على مشاكله والتكيف مع البيئة التي يعيش فيها أي أنه بمقدار قوة الأنا واتزانه تتكامل الشخصية أما إذا كان الأنا ضعيفاً فلن يستطع التوفيق بين رغبات الهي وبين عالم الواقع، ويكون الفرد عرضة للأعراض المرضية.

الأنا العليا: SUPER EGO

وتتكون نتيجة احتكاك الفرد وتفاعله مع البيئة الاجتماعية، ومن خلال الأوامر والنواهي التي يتلقاها الطفل عن والديه، وهي تسير وفقاً لمبدأ ما يجب أن يكون، ومع تكون الأنا العليا لدى الطفل يصبح الطفل ليس في حاجة إلى رقابة خارجية من الوالدين على سلوكه حيث أن الأنا العليا تقوم بمهمة الرقابة والضبط على سلوك الطفل، فهو يمثل القانون في غياب القانون وهو الشرطي في غياب رجل الشرطة وعندما يسلك الفرد بشكل يخالف الأنا العليا يتولد لديه عندئذ الشعور بالذنب، وهذا ما يدفع بالفرد إلى العصاب النفسي، ويقع على عاتقها مهمة رقابة الحفزات الغريزية الصادرة من الهي ورقابة الأنا.

ويختلف تكوين (الأنا العليا) من شخص لآخر تبعاً لظروف طفولته ونوع التنشئة التي يلقاها وأسلوب المعاملة فقد يكون (الأنا العليا) قاسياً شديداً وقد يكون ضعيفاً متساهلاً ويبدو هذا في كثرة الأنام والجرائم وكسر القوانين وغيرها، ويمكن تشبيه العلاقة بين الأنا والأنا العليا بعلاقة الطفل بوالديه فإذا سلك الطفل كما يرغب والديه فإن يحظى بحبهم ولكن إذا خالفهما فيما يرغبان فإنه يقاسى عقابهما وقد يحدث صراع بين الأنا والأنا العليا كما هو في العصاب القهري والاكتئاب.

وجملة القول أن سلوك الفرد يتحدد بدينامياته فإذا خضعت الشخصية لحكم الأنا العليا أصبح السلوك سلوكاً أخلاقياً، وإذا خضعت لحكم الأنا كان السلوك واقعياً، وإذا خضعت لحكم الهي كان السلوك اندفاعياً.

 نظرية الإرشاد السلوكي Counseling Behavioral

ظهرت السلوكية في أمريكا كرد فعل على التحليل النفسي وتزعمها واطسون، ومن أبرز روادها بافلوف، ثورانديك، سكينر، هل، جاثري وغيرهم.

ولقد شن واطسون هجوماً عنيفاً على نظرية التحليل النفسي وعلى ما جاءت به هذه النظرية من مفاهيم وما استخدمته من منهج في دراسة الظواهر النفسية، فمن المعروف أن المنهج الذي كان سائداً في دراسة علم النفس في مدرسة التحليل النفسي هو منهج التأمل الذاتي أو الاستبطان، وكان هذا المنهج أكثر استخداماً لدى مدرسة التحليل النفسي في دراسة الظواهر النفسية كالأحلام والانفعالات لدى الفرد، ويقصد بالاستبطان ملاحظة الفرد ما يجري في داخله من أفكار ومشاعر وخبرات ملاحظة منظمة وصريحة تستهدف وصف وتحليل وتأويل هذه الأفكار والمشاعر، ولعل مما يؤخذ عليه هو الذاتية والبعد عن الموضوعية، ومن هنا عارضت المدرسة السلوكية استخدام منهج الاستبطان في دراسة الظواهر النفسية بحجة أنه غير علمي، حيث أن الحالات النفسية التي تدرس عن طريقه هي حالات فردية ذاتية لا يمكن أن يلاحظها إلا صاحبها وحده، ونادت المدرسة السلوكية بأن موضوع علم النفس هو دراسة السلوك الظاهري للفرد الذي يمكن إخضاعه للملاحظة والقياس والتجريب، وأن المنهج الذي يستخدم في دراسة الظواهر النفسية هو المنهج التجريبي وأنه قد حان الوقت للتخلص من المفاهيم الغيبية التي سادت علم النفس لفترة طويلة.

ويطلق على النظرية السلوكية اسم نظرية المثير والاستجابة وتعرف بنظرية التعلم ولعل من أبرز المفاهيم التي ارتكزت عليها النظرية السلوكية في النظر إلى الإنسان وتفسير سلوكه المرض النفسي لديه ما يلي:

أن سلوك الفرد ما هو إلا سلسلة من المثيرات والاستجابات، فالمثير يؤدي إلى استجابة وهي بدورها تعد بمثابة مثير آخر يؤدي إلى استجابة أخرى، وهكذا وكأن سلوك الفرد ما هو إلا مجموعة من المثيرات والاستجابات دون أن ينطوي على دوافع معينة ترمي إلى تحقيق غاية معينة تساعد الفرد على التوافق مع المجتمع ومواجهة مواقف الحياة. ولكن لو كان السلوك مثير واستجابة فكيف نفسر اختلاف استجابة الفرد إزاء المثير الواحد ومن هنا تم إدخال ما يسمى بالمتغيرات الوسيطية Intervening Variables ويطلق عليها ذلك لأنها تتوسط بين المثيرات الموجودة في المواقف والاستجابات الصادرة عن الفرد، ويقصد بها العمليات العقلية المعرفية لدى الفرد.

أن سلوك الفرد ما هو إلا حاصل جمع أجزاء وأن الكل يساوي مجموع الأجزاء وهي بذلك تستند إلى مفهوم الذراتية في تفسير سلوك الفرد، وكأن سلوك الفرد عبارة عن ذرات من هنا وهناك متجاهلة أن الكل أكبر من مجموع الأجزاء وأن سلوك الفرد وحده كلية دينامية لا يمكن فهمه إلا بالرجوع إلى المجال الكلي الذي ينتمي إليه الفرد وأن الجزء في ذاته ليس له قيمة وإنما تتحدد دلالته بالرجوع إلى الكل الذي ينتمي إليه.

ترى هذه النظرية أن شخصية الفرد هي تنظيم معين من العادات المتعلمة والثابتة نسبياً التي تميز الفرد عن غيره من الأفراد وأشبه ما يكون سلوك الفرد بالآلة لا تحركه دوافع معينة بل تحركه مثيرات تصدر عنها استجابات.

أكدت النظرية السلوكية على أهمية ودور البيئة في نمو وتشكيل شخصية الفرد في إغفال منها لدور العوامل الوراثية في ذلك وكأن يولد وعقله عبارة عن صفحة بيضاء وليس هناك استعدادات وإمكانات موروثة لدى الفرد، ويؤكد ذلك ما قاله واطسون أعطوني عشرة من الأطفال الأصحاء وبصرف النظر عما لديهم من استعدادات وراثية أجعل منهم الطبيب والمحامي واللص متناسياً أن الفرد هو نتاج تفاعل كل من العوامل الوراثية والبيئية.

اتخذت هذه النظرية من عملية التعلم محوراً أساسياً في تفسير السلوك الإنساني والأعراض المرضية ومن أشهر نظرياتهم في التعلم نظرية بافلوف في الارتباط الشرطي ونظرية ثورندايك عن التعلم بالمحاولة والخطأ وغيرها. ولقد استفادت النظرية السلوكية من مبادئ وقوانين التعلم في تفسير الأمراض النفسية.

تنظر هذه النظرية إلى السلوك المضطرب على أنه استجابة شرطية خاطئة تكونت بفعل الارتباط الشرطي الخاطئ ومن ثم يمكن علاجه عن طريق فك هذا الارتباط الشرطي وتكوين ارتباط شرطي جديد.

الصراع النفسي في ضوء هذه النظرية السلوكية يتم على المستوى الشعوري، وبعد عرض هذه المفاهيم النظرية التي قامت عليها النظرية السلوكية في تفسير السلوك لدى الفرد فقد واجهت بعضاً من الانتقادات والتي مكن تلخيصها فيما يلي:

ركزت على البيئة دون الاهتمام بالوراثة كمحدد هام ورئيسي لسلوك الفرد وشخصيته.

ركزت على الجوانب الشعورية في السلوك والشخصية دون الاهتمام بالجوانب اللاشعورية.

أن الكل يساوي مجموع الأجزاء بل الكل أكبر من مجموع الأجزاء.

إجراء البحوث والدراسات على الحيوانات مثل الفئران والحمام والقطط بدلاً من الإنسان ولكنهم ردوا عليها بأنهم طبقوا نظريتهم في الارتباط الشرطي على الإنسان مثلما طبقت على الحيوان كما هو الحال في تجربة واطسون على الطفل ألبرت والتي سنأتي عليها بعد قليل.

نظرية الإرشاد المتمركز حول الشخص Person-centered counseling

تنتمي هذه النظرية الإرشادية إلى التيار الإنساني الذي يمثل القوة الثالثة في ميدان علم النفس والذي جاء كرد فعل على السلوكية والتحليل النفسي وما جاءت بهما من مفاهيم في النظر إلى الطبيعة الإنسانية وتفسير سلوك الفرد.

هذا التيار يتضمن كل من روجرز وماسلو والبورت وغيرهم من علماء النفس الإنساني مثل فرانكل، وسارتر، وكيركجارد، ويؤكد أصحاب هذا المنحنى الإنساني على دراسة الإنسان بما هو إنسان له مدركاته ومشاعره واهتماماته ورغباته، وعلى النظر إلى الإنسان نظرة إيجابية، فهو خير في طبيعته.

ويستند أيضاً هذا التيار الإنساني إلى مجموعة من المفاهيم وهي أن الفرد حر في اختيار سلوكه وأسلوب حياته واتخاذ ما يراه من قرارات، وهو مسئول عما يختار وأن الإطار الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد هو المسئول عما يتعرض له من اضطراب نفسي، كما يتميز هذا التيار بأنه مستقبلي التوجه وكما يقول سارتر أن الإنسان ليس بما حققه بل بما لم يحققه ويتوق إلى تحقيقه، علاوة على ذلك فإن هذا التيار يعتمد في دراسته للإنسان على الطريقة الفينومينولوجية وذلك عن طريق الخبرة الذاتية أي عن طريق دراسة خبرة الفرد كما يعيشها هو من خلال تفاعله مع الآخرين، وليست كما هي عليه في الواقع، أي أن الطريقة التي يدرك بها الفرد الأشياء هي التي تحدد استجاباته وسلوكه نحوها، فهناك اختلاف بين الأشياء كما هي علي في الواقع وبين الأشياء كما يدركها الفرد، فالأول تحددها عوامل موضوعية، أما الآخر تحددها عوامل ذاتية.

المفاهيم الأساسية للنظرية:

تقوم طريقة الإرشاد الممركز حول الشخص على نظرية الذات عند روجرز، والتي تمثل النواة الأساسية التي تقوم عليها طريقته في الإرشاد فلا يمكن أن نحقق فهما واضحاً للشخصية أو السلوك بوجه عام دون الرجوع إلى فكرة الفرد عن نفسه وهي التنظيم الإدراكي الانفعالي الذي يتضمن استجابات الفرد نحو نفسه ككل من مختلف جوانب شخصيته سواء الجسمية أو العقلية أو الاجتماعية فهي تعني اتجاهات الفرد ومشاعره ومدركاته وتقييماته لذاته (من أكون أنا).

ويلعب مفهوم الذات دوراً محورياً في تشكيل شخصية الفرد وسلوكه حيث أن كل فرد منا يسلك بالطريقة التي تتسق مع مفهومه عن ذاته، فإذا كان الشخص فكرته عن نفسه أنه شخص ضعيف البنية نجده يتحاشى الأعمال الصعبة التي تتطلب قوة العضلات، وإذا كان مفهومه عن ذاته أنه غير مقبول اجتماعياً فإنه يتجنب المواقف الاجتماعية حتى لا يختلط بالناس وأيضاً لو كانت فكرة الشخص عن نفسه أنه فاشل أو عاجز نجده يخشى الدخول في مواقف التنافس مع الآخرين.

وتتكون فكرة الفرد عن ذاته من خلال احتكاكه وتفاعله مع البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها ومن خلال استجابات وردود فعل الآخرين المحيطين به نحو الفرد اعتبارهم مصدراً لإشباع حاجاته أو عدم إشباعها ومصدراً للثواب والعقاب فإذا كان رأي الوالدين أن هذا الطفل ذكي واجتماعي فإنه يحاول أن يكون كذلك لأن الناس المهمين بالنسبة له يتوقعون منه ذلك في حين أن الطفل الذي يقال عنه أنه فاشل وغبي يصبح سلوكه منسجماً مع توقعات الآخرين عنه وهذا مما يعني أن فكرة الفرد عن ذاته ترتبط بردود فعل واستجابات الأفراد الآخرين المحيطين بالفرد.

وكذلك أيضاً تسهم الخبرات التي يمر بها الفرد في حياته باعتبارها جزءاً من المجال الكلي الذي يتفاعل معه دوراً هاماً في تكوين فكرة الفرد عن ذاته.

فالفرد يمر بخبرات بعضها سار وبعضها الآخر غير سار، وهذه الخبرات تمثل الأساس أو الأرضية التي على أساسها يتشكل مفهوم الذات لدى الفرد، فإذا كانت الخبرات مؤلمة كان مفهوم الذات في الغالب مفهوماً سلبياً كما يظهر في عبارات أنا أحب نفسي أنا شخص ممتاز أنا مرغوب في من الجنس الآخر، ولكن نجد أن هناك أفراد يمرون بهذين النوعين من الخبرات معاً وهنا يكون جانب سلبي وآخر إيجابي في مفهوم الفرد عن ذاته، فإذا كان الجانب السلبي للذات مرتبط بخبرات مؤلمة كالعقاب فإن الفرد لا يمكنه أن يواجه نفسه بصفات السلبية والعجز أي لا يمكن أن يتقبل ذاته على هذا النحو لما تسببه له من قلق، وهنا يحدث صراع بين مفهوم الفرد عن ذاته وخبراته، وهذا مما يؤدي إلى ظهور الاضطراب النفسي لدى الفرد.

ويتضمن مفهوم الذات لدى الفرد أبعاد ومكونات مختلفة منها الذات المدركة أو الواقعية من حيث ما هي عليه في الواقع، والذات المثالية وهي الصورة التي يود الفرد أن يكون عليها، والذات الاجتماعية التي تعكس علاقة الفرد بالآخرين في مجتمع، والذات العقلية والانفعالية والتي تعكس صورة الفرد عن قدراته وإمكاناته العقلية وكذلك مشاعره وانفعالاته في سياق تفاعله مع الآخرين.

والجدير بالذكر أن الخبرات التي تسهم في تشكيل فكرة الفرد عن ذاته قد تكون شعورية يدركها ويفطن الفرد إلى وجودها، وقد تكون لا شعورية لا يستطيع التعبير عنها بشكل صريح فمثلاً لا يستطيع الشخص أن يقول عن نفسه أنه لص، أو أنه منبوذ، أو أنه غشاش، أو أنه خائن لزوجته، بل كل هذه الصفات تظل كامنة في اللاشعور، وهذا ما يعرف بمفهوم الذات الخاص لدى الفرد وهو يتكون من مواد غير مرغوب فيها اجتماعياً (خبرات محرمة أو محرجة أو مخجلة أو معيبة أو بغيضة أو مؤلمة)، ولا يجوز إظهارها أو كشفها أو ذكرها أمام الناس، وتنشط الذات تماماً للحيلولة دون خروج محتواها وهكذا يبدوا مفهوم الذات الخاص وكأنه العورة النفسية للفرد.